الأحد/2018/07/15
الرئيسية / الفضاء / الطاقة المظلمة وأدلة وجودها في كوننا

الطاقة المظلمة وأدلة وجودها في كوننا

الطاقة المظلمة وأدلة وجودها في كوننا
رسم ثلاثي الابعاد لكوننا by SDSS Team, NASA, NSF, DOE

 

الطاقة المظلمة وأدلة وجودها في كوننا

في علم الفيزياء الكونية وعلم الفلك، تعتبر الطاقة المظلمة The Dark energy شكل مجهول من الطاقة التي تتخلل كل الفضاء والتي تتجه إلى تسريع توسع الكون.

وتعتبر الطاقة المظلمة هي الفرضية الأكثر قبولاً لتفسير وشرح الملاحظات المرصودة منذ التسعينات 1990s والتي تشير إلى أن الكون يتوسع بوتيرة متسارعة .

فوفقاً لفريق مهمة بلانك، وعلى أساس النموذج القياسي للكون، وعلى أساس مبدأ تكافؤ الكتلة والطاقة، فالكون يحتوي على مادة مظلمة بنسبة 26٪  وطاقة مظلمة بنسبة 68.3٪ (أي ما مجموعه 95.1٪)، والمادة العادية بنسبة 4.9٪ .

وعلى أساس مبدأ تكافؤ الكتلة والطاقة فإن كثافة الطاقة المظلمة تساوي (6.91 × 10أس -27  كجم لكل متر مكعب) حيث تعتبر نسبة منخفضة جدا وأقل بكثير من كثافة المادة العادية أو المادة المظلمة داخل المجرات.

ومع ذلك، فإنها تسيطر وتهيمن على الكتلة-الطاقة في الكون ويُـعزى ذلك لكونها متماثلة ومتجانسة عبر الفضاء.

 

480px-DMPie_2013.svg
رسم تخطيطي يوضح طغيان نسبة الطاقة المظلمة في الكون

 

أشكال الطاقة المظلمة :

هناك شكلان مقترحان للطاقة المظلمة:

الاول هو الثابت الكوني: ثابت كثافة الطاقة التي تملأ الفضاء بتجانس.

والثاني هو مايسمى بالحقول العددية مثل العنصر أو الجوهر الخامس quintessence أو moduli، والتي تعتبر كميات ديناميكية حيث كثافة الطاقة لها يمكن أن تختلف في الزمان والمكان.

وتعتبر النماذج الرائدة للطاقة المظلمة هما الثابت الكوني والعنصر الخامس او الجوهر الخامس quintessence.

وكلا النموذجان يشتملا على السمة المشتركة التي يجب أن تشملها الطاقة المظلمة وهي الضغط السالب.

ويلزم توفر قياسات عالية الدقة لتوسع الكون لفهم كيفية تغير معدل التوسع عبر الزمان والمكان.

ففي النسبية العامة تم وصف تطور معدل توسع الكون والتعبير عنه رياضياً في المعادلة الكونية للحالة (المعادلة التي تصف العلاقة بين درجة الحرارة والضغط، والمادة المركبة، والطاقة، وكثافة طاقة الفراغ في أي منطقة من الفضاء) حيث يعتبر قياس معادلة الحالة للطاقة المظلمة هي واحدة من أكبر الجهود في علم الكونيات الرصدي اليوم.

إن إضافة الثابت الكوني لمترية فريدمان–لوميتر–روبرتسون–ووكر (FLRW) لعلم الكون القياسي يؤدي إلى نموذج لامبدا-CDM، والذي يشار إليه باسم “النموذج القياسي” لعلم الكون وذلك بسبب إتفاقه وإتساقه الدقيق مع القياسات المرصودة.

وقد استخدمت الطاقة المظلمة كمكون حاسم في المحاولة الأخيرة الرامية لصياغة النموذج المتذبذب للكون.

 

طبيعة وتأثير الطاقة المظلمة:

إن تسارع تمدد الكون هو ببساطة وظيفة كثافة الطاقة المظلمة!

وتعتبر الطاقة المظلمة مستديمة: حيث تبقى كثافتها ثابتة (تجريبيا، ضمن عامل 10:1)، أي لا تتمدد او تضعف او تترقق او توهن عند تمدد الكون.

وبصرف النظر عن طبيعتها الفعلية فإن الطاقة المظلمة تحتاج لوجود ضغط سلبي قوي (يتصرف بشكل دافع) من أجل تفسير التسارع الملحوظ لتمدد الكون.

 

فالدليل على وجود الطاقة المظلمة غير مباشر أو ملموس ولكنه يأتي من ثلاثة مصادر مستقلة:

  • قياسات المسافة وعلاقتها بالإزاحة الحمراء التي تشير إلى ان الكون يتوسع بشكل أكثر في النصف الأخير من حياته.
  • الحاجة النظرية لنوع من الطاقة الإضافية التي لا هي مادة عادية ولا مادة مظلمة لصياغة كون مسطح مشهود حيث ينعدم وجود أي انحناء فيه.
  • الطاقة المظلمة يمكن استنتاجها والاستدلال عليها من القياسات المعموله على نطاق كبير للأنماط الموجية لكثافة الكتلة في الكون.

ويعتقد أن تكوينة الطاقة المظلمة متجانسة جدا، وغير كثيفة جدا , وليس من المعروف تفاعلها مع أي من القوى الأساسية عدا الجاذبية.

ولأنها طاقة مخلخله تماماً فمن غير المرجح أنه يمكن كشفها في التجارب المعملية.

 

 

Lambda-Cold_Dark_Matter,_Accelerated_Expansion_of_the_Universe,_Big_Bang-Inflation
رسم تخطيطي يوضح تسارع تمدد الكون Design by Alex Mittelmann, Coldcreation

 

أدلة وجود الطاقة المظلمة:

1- المستعرات العظمى  supernova :

في عام 1998،نشر فريق بحث المستعرات العظمى High-Z ملاحظات مرصودة لمستعرات عظمى من نوع 1-أ الملتحق عام 1999 في مشروع المستعرات العظمى الفلكي حيث اقترح أن توسع الكون يتسارع.

ومنحت عام 2011 جائزة نوبل في الفيزياء لشاول بيرلماتر، بريان شميت P. وآدم G ريس لريادتهم هذا الاكتشاف.

منذ ذلك الحين تم تعزيز هذه الملاحظات من عدة مصادر مستقلة مثل قياس إشعاع الخلفية الكونية الميكرووي، والعدسة الجذبوية، وبنية الكون من منظار واسع وفضلاً عن القياسات المحسنة من المستعرات العظمى المتسقة مع نموذج لامبدا-CDM.

 

480px-SN1994D
صورة من تلسكوب هابل للمستعر العظيم 1994D في مجرة NGC 4526 , حيث يرى كنقطة مضيئة أسفل يسار المجرة NASA/ESA

 

تكمن فائدة وأهمية المستعرات العظمى في علم الكونيات بأنها تعتبر شموع معيارية قياسية ممتازة عبر المسافات الكونية حيث أنها تسمح لتاريخ توسع الكون أن يقاس من خلال النظر إلى العلاقة بين المسافة لأي جرم سماوي ومقياس إنزياحه الأحمر والذي يعبر عن مدى سرعة إبتعاده عنا و العلاقة هي علاقة خطية تقريبا وفقاً لقانون هابل.

لذلك من السهل نسبياً قياس الإزاحة الحمراء لأي جرم سماوي ولكن ايجاد المسافة التي تبعدنا عنه هو ما يعتبر أكثر صعوبة.

وعادة مايستخدم الفلكيين تلك الشموع القياسية: الاجرام التي تكون ساطعه بذاتها ويكون قدرها المطلق معروف فهذا يتيح لمسافة الجرم السماوي أن تقاس من خلال رصد سطوعها الفعلي أو قدرها الظاهري.

وتعتبر المستعرات العظمى من النوع 1-أ هي افضل الشموع القياسية العيارية المعروفة عبر المسافات الكونية بسبب شدة وثبات إضاءتها.

أحدث الملاحظات المرصودة من المستعرات العظمى والمتسقة مع تكوين الكون تشير الى انه يتكون من طاقة مظلمة بنسبة 71.3٪ و مزيج من المادة المظلمة والمادة الباريونية بنسبة 27.4٪ .

 

2-إشعاع الخلفية الميكروويّ الكوني:

وجود الطاقة المظلمة بأي شكل من الأشكال مطلوب للتوفيق بين هندسة الفضاء المقاسة مع المجموع الكلي للمادة في الكون. قياسات تباين خواص الخلفية الكونية من الموجات الميكروية (CMB)  تشير إلى أن الكون قريب من التسطح ولكي يكون شكل الكون مسطح يجب أن تكون كثافة الكتلة / الطاقة في الكون تساوي الكثافة الحرجة.

ولكن المجموع الكلي للمادة في الكون (بما في ذلك الباريونات والمادة المظلمة) كما تم قياسها من خلال طيف اشعاع الخلفية الميكروي CMB، يمثل  حوالي 30٪ فقط من الكثافة الحرجة! وهذا يعني وجود شكلاً إضافياً من الطاقة لتفسير ال 70٪ المتبقية.

وقدر مسبار ويلكينسون لتباين الأشعة الميكرويه الكونية بعد تحليل سبع سنوات ان الكون يتكون من الطاقة المظلمة بنسبة  72.8٪، ومن المادة المظلمة 22.7٪ والمادة العادية 4.5٪.

وقد أعطى العمل المنجز في عام 2013 استناداً إلى الملاحظات الرصدية للمركبة الفضائية بلانك لاشعاع الخلفية الكوني الميكروي CMB تقديرات أكثر دقة حيث الطاقة المظلمة  68.3٪ ، والمادة المظلمة 26.8٪ و 4.9٪ من المادة العادية.

 

640px-WMAP_2008
صورة بالقمر الصناعي لأشعة الخلفية الميكرووي للكون حيث تمثل المناطق الصفراء والحمراء هي مناطق تجمع النجوم والمجرات

 

3- بنية الكون من منظار واسع:

نظرية بنية الكون من منظار واسع، والتي تحكم تكوين البنى في الكون (النجوم، والكوازارات والمجرات ومجموعات المجرات وعناقيد المجرات)، تشير أيضا إلى أن كثافة المادة في الكون هي 30٪ فقط من الكثافة الحرجة.

قام ماسح الفضاء  WiggleZ بمسح استقصائي عام 2011، حيث مسح كوكبة مكونة من أكثر من 200،000 مجرة، موفراً مزيد من الأدلة تجاه وجود الطاقة المظلمة، على الرغم من أن التفسير الفيزيائي وراء وجودها ما زال مجهولاً !

المسبار  WiggleZ من المرصد الفلكي الاسترالي قام بمسح المجرات لتحديد وقياس الانزياح الأحمر لها. ثم من خلال استغلال مقياس التذبذب الصوتي الباريوني المميز حيث أبان عن وجود فراغات هائلة  متناسقة قطرها يقدر بحوالي ~ 150 مليون فرسخ فلكي وتحيط بها المجرات،حيث استخدمت الفراغات كمساطر قياسية لتحديد المسافات التي تفصلنا عن المجرات بحد أقصى قدره 2،000 مليون فرسخ فلكي (قدر الانزياح الأحمر 0.6)، مما سمح للفلكيين بتحديد أدق لسرعات المجرات عن الانزياح الأحمر لها وعن مسافاتها. وأكدت البيانات ان تسارع الكون بدأ منذ كان الكون في نصف عمره الحالي (7 مليار سنة) وتحصر عدم التجانس في الكون  لجزء 1 من 10. وهذا يوفر تأكيدا أن تسارع تمدد الكون يحدث بشكل مستقل عن تأثير المستعرات العظمى supernova.

480px-Observable_Universe_with_Measurements_01
صورة محاكاة للكون المرصود حيث قطره ما يقرب من 93 مليار سنة ضوئية (أو 28 مليار فرسخ فلكي). تمثل الحبوب البيضاء الدقيقة مجموعات من أعداد كبيرة من العناقيد المجرية الهائلة. عنقود العذراء المجري الهائل حيث توجد مجرتنا – درب التبانة – مشار اليها في المركز، ولكنها صغيرة جدا كي ترى في الصورة.by Azcolvin429

 

 

 

4-تأثير أو ظاهرة تكامل ساكس-وولف في الزمان المتأخر Late-time integrated Sachs-Wolfe effect :

تسارع التوسع الكوني يسبب تسطيح الآبار والتلال الجذبوية الكمونية حيث تعبر الفوتونات من خلالهم، منتجة بقع باردة وبقع ساخنة على اشعاع الخلفية الميكروني CMB بالإتساق مع الفراغات الشاسعة والتجمعات الهائلة.

هذا ما يسمى تأثير أو ظاهرة تكامل ساكس-وولف في الزمان المتأخر، وهو إشارة مباشرة لوجود الطاقة المظلمة في كون مسطح.

 

 5- بيانات مشاهدات ثابت هابل Observational Hubble constant data :

مقاربة جديدة لاختبار أدلة وجود الطاقة المظلمة هي من خلال بيانات مشاهدات ثابت هابل (OHD) والتي اكتسبت اهتماما كبيرا في السنوات الأخيرة. حيث يقاس ثابت هابل بوصفه دالة للإزاحة الحمراء الكونية وحيث يتتبع بشكل مباشر تاريخ توسع الكون من خلال اتخاذه للتطور التلقائي  للانواع المبكرة للمجرات كمقياس  للزمن الكوني “cosmic chronometer.

ومن هذا المنطلق فإن هذا النهج يوفر ساعات ميقاتية قياسية عيارية كونية , و أساس وجوهر هذه الفكرة يعتمد على قياس تفاضل (اشتقاق) زمن تطور تلك المجرات كدالة للإزاحة الحمراء لهذه الساعات الكونية cosmic chronometers.

ان ميزة هذا النهج واضحة: حيث ان بإعتمادنا على حساب الكمية المشتقة Δz / Δt، يمكننا الحد من العديد من تأثير المشاكل المنهجية الشائعه ؛ ونتيجة للقياس المباشر لمعلمات هابل مثل المستعرات العظمى والتذبذب الصوتي الباريوني بدلاً من قياس تكامله فإن ذلك يجلب ويوفر مزيد من المعلومات التي تستلزمها الحسابات.

ولهذه الأسباب استخدمت تلك الطريقة على نطاق واسع لدراسة تسارع تمدد الكون ودراسة خصائص الطاقة المظلمة.

 

2015-04-07_220156

 

 

إن مثل هذا التأثير العميق للطاقة المظلمة على الكون، حيث تشكل 68٪ من الكثافة الكونية تقريباً يعود لكونها تملأ بطريقة ما الفضاء الفارغ بانتظام وتجانس.

ولا تزال الكثير من الامور حول طبيعة الطاقة المظلمة ضرب من التكهن!

 

اترك رد